أحمد بن علي القلقشندي
79
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
تعس الزمان ! فقد أتى بعجاب ( 1 ) ومحا فنون الفضل والآداب وأتى بكتّاب لو انبسطت يدي فيهم رددتهم إلى الكتّاب قلت : وإنما تقاصرت الهمم عن التوغل في صناعة الكتابة والأخذ منها بالحظَّ الأوفى لاستيلاء الأعاجم على الأمر ، وتوسيد الأمر لمن لا يفرّق بين البليغ والأنوك ( 2 ) لعدم إلمامه بالعربية والمعرفة بمقاصدها ، حتّى صار الفصيح لديهم أعجم ، والبليغ في مخاطبتهم أبكم ( 3 ) ؛ ولم يسع الآخذ من هذه الصناعة بحظ إلا أن ينشد : وصناعتي عربيّة وكأنّني ألقى بأكثر ما أقول الرّوما فلمن أقول ؟ وما أقول ؟ وأين لي ؟ فأسير ، لا بل أين لي فأقيما ؟ وقد حكى أبو جعفر النحاس عن بعضهم أنه قال : حضرت مجلس رجل فأحجمت عن مسألة حاجتي لكثرة جمعه ، فرأيته وقد أملى على كاتبه « ولم أكتب بخطَّي إليك خوفا من أن تقف على « رداوت » فكتب كتابه : « رداوته » على ما يجب فقال : أما تحسن الهجاء ؟ أين الواو ؟ فأثبتها الكاتب فخسّ . حينئذ في عيني ، فاجترأت عليه فدنوت منه وسألته حاجتي . وحكى صاحب ذخيرة الكتّاب ( 4 ) عن بعض الوزراء : أنه تقدّم إلى كاتبه بأن يكتب ألقاب أمير ليثبتها على برج أنشأه فكتب « أمر بعمارة هذا البرج أبو فلان فلان » واستوفى ألقابه إلى آخرها ، ودفع المثال إلى الوزير ليقف عليه فلما قرأه غضب حتّى ظهر الغضب في وجهه ، وأنكر على الكاتب كونه كتب « أبو فلان » بالواو ولم يكتب « أبي فلان » بالياء محتجّا عليه بأن « أبو » من ألفاظ العامة
--> ( 1 ) في الأصل : بعجائب . والشعر كما أشرنا سابقا للبسّامي . وزاد في وفيات الأعيان : 3 / 264 أو ما ترى أسد بن جهور قد غدا متشبها بأجلَّة الكتاب ( 2 ) وهو الأحمق ، وجمعها : النّوكى . ( اللسان 10 / 501 ) . ( 3 ) في الأصل : أعجما أبكما . والأرجح أنه خطأ من الناسخ . ( 4 ) هو ابن حاجب النعمان ؛ وسيأتي التعريف به في هامش الصفحة 54 من هذا الجزء .